محمد جمال الدين القاسمي
159
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فصل وأما الشرك في الإرادات والنيات ، فذلك البحر الذي لا ساحل له ، وقلّ من ينجو منه . فمن أراد بعمله غير وجه اللّه ، ونوى شيئا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه ، فقد أشرك في نيته وإرادته . والإخلاص : أن يخلص للّه في أقواله وأفعاله وإرادته ونيته . وهذه هي الحنيفية ، ملة إبراهيم ، التي أمر اللّه بها عباده كلهم . ولا يقبل من أحد غيرها . وهي حقيقة الإسلام . وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [ آل عمران : 85 ] . وهي ملة إبراهيم عليه السلام ، التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء . فصل وإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور . فنقول ( ومن اللّه وحده نستمد الصواب ) : حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به . وهذا هو التشبيه في الحقيقة . لا إثبات صفات الكمال التي وصف اللّه بها نفسه ووصف بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فعكس من نكس اللّه قلبه وأعمى عين بصيرته وأركسه بلبسه الأمر وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه تعظيما وطاعة . فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية . فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع ، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده . فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق . وجعل من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، أفضل من غيره . تشبيها بمن له الأمر كله . فأزمّة الأمور كلها بيده ، ومرجعها إليه ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع . بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد . وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد . فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات ، بالقادر الغنيّ بالذات . ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه . وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده . والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب ، كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده . ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره . فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا ند له . وذلك أقبح التشبيه وأبطله . ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم ، أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره . مع أنه كتب على نفسه الرحمة . ومن خصائص